فخر الدين الرازي
397
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأما القول الأول : فتقريره ما روي أن إبليس سأل ربه ، فقال هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني ؟ فقال اللّه : نعم عبدي أيوب ، فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه ، فقال : يا رب إنه قد امتنع على فسلطني على ماله ، وكان يجيئه ويقول له : هلك من مالك كذا وكذا ، فيقول اللّه أعطى واللّه أخذ ، ثم يحمد اللّه ، فقال : يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده ، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية ، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه ، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده ، فأذن فيه ، فنفخ في جلد أيوب ، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه ، فمكث في ذلك البلاء سنين ، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده ، فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد ، فجاء الشيطان إلى امرأته ، وقال لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء ، فذكرت المرأة ذلك لزوجها ، فحلف باللّه لئن عافاه اللّه ليجلدنها مائة جلدة ، وعند هذه الواقعة قال : / أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ فأجاب اللّه دعاءه ، وأوحى إليه أن ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فأظهر اللّه من تحت رجله عينا باردة طيبة فاغتسل منها ، فأذهب اللّه عنه كل داء في ظاهره وباطنه ، ورد عليه أهله وماله . والقول الثاني : أن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام ، والدليل عليه وجوه الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان ، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات ، فقد حصل بفعل الشيطان ، وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم ، هو اللّه تعالى الثاني : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ، ولم لا يخرب دورهم ، ولم لا يقتل أولادهم الثالث : أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : 22 ] فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة ، وذلك يدل على قول من يقول إن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات ، فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو اللّه تعالى لكن على وفق التماس الشيطان ؟ قلنا فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو اللّه تعالى ، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك ؟ بل الحق أن المراد من قوله : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوها الأول : أن علته كانت شديدة الألم ، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ، ولم يبق له شيء من الأموال البتة . وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت ، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت ، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس ، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى اللّه ، وقال : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد . الثاني : أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى اللّه تعالى وقال : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ، الثالث : قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك ، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى اللّه